- من فبراير النكبة إلى مارس الكارثة مسلسل إســقاط الدولة في اليمـن..

الخميس, 09-فبراير-2017
صعدة برس -
*عبدالملك الفهيدي
لم يكن شهر فبراير من العام 2011م مجرد شهر عابر في تاريخ اليمن كشهور كثيرة ،ذلك ان التاريخ سيسجل لهذا الشهر انه مثل بداية النكسة وانطلاق مشروع الفوضى الذي عم اليمن كلها وأتى عليها بما لم يكن في الحسبان .
في فبراير 2011م انطلقت مظاهرات مجاميع تقنعت بأقنعة الشباب المتأثر بما سمي انذاك الربيع العربي الذي انطلق في تونس ومصر، وخرجت تلك المجاميع لتنادي بإسقاط النظام وكانت تلك العبارة (اسقاط النظام) كافية للتأكيد على ان من نادوا بذلك لم يكونوا يستوعبون حتى معاني ومفاهيم المصطلحات التي بدأت وسائل الاعلام بالترويج لها وتكرارها في اكثر من بلد عربي بدأت في تونس وانتقلت الى مصر واليمن وسوريا وليبيا .
وببساطة شديدة فالنظام في اليمن كما ينص عليه دستور الجمهورية اليمنية في مادته الخامسة: (يقوم النظام السياسي للجمهورية على التعددية السياسية والحزبية وذلك بهدف تداول السلطة سلمياً.. الخ المادة) وبالتالي فإن الدعوة لإسقاط النظام مثلت دعوة بمفهومها البسيط لإسقاط نظام الجمهورية اليمنية السياسي التعددي وكانت تلك البداية ليحل محل النظام ما يُعرف بالفوضى .
وحتى نكون منصفين فإن المجاميع الاولى من الشباب الذين خرجوا الى الساحات هاتفين بإسقاط النظام كتقليد لما شهدته تونس ومصر ورغم بعض ما كانوا يملكونه من مبررات قد يكون بعضها ذا وجاهة وصحيحاً ،إلا انهم كانوا يعملون وبدون وعي او بصيرة على هدم كل ما انجزته الدولة الوطنية اليمنية التي قامت على اعقاب ثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر و30 نوفمبر من تأسيس دولة يمنية مستقلة قائمة على نظام جمهوري وصولاً الى اليوم التاريخي المشهود 22 مايو 1990م الذي مثل اكتمالاً لتحقيق اعظم اهداف الثورة المتمثل في اعادة تحقيق وحدة الوطن وقيام الجمهورية اليمنية وفقاً لنظام جمهوري وسياسي قائم على التعددية السياسية والحزبية وتداول السلطة سلمياً عبر الانتخابات وصناديق الاقتراع .
وعلى الرغم من ان الاحزاب السياسية اليمنية التي خرجت من زنازين العمل الحزبي السري الذي كان محرماً في شطري اليمن قبل الوحدة لتعمل في العلن وفقاً لدستور الجمهورية اليمنية ،واستطاعت خلال عقدين ونيف من الزمن ان تسهم في انشاء تجربة ديمقراطية متفردة في المنطقة، سارعت الى استغلال اندفاع الشباب الذي خرج للتظاهر وتحويل تلك المظاهرات الى وسيلة سياسية لتصفية حساباتها مع السلطة (وليس النظام) الحاكمة ،إلا انها وبسوء نية انقلبت على كل ما كانت قد انجزته من تجربة سياسية حين انضمت الى الميدان هاتفةً هي الاخرى بسقوط النظام الذي تمثل هي جزءاً اصيلاً منه وعملت بكل ما أُوتيت من قوة على تكريس مفاهيم ومصطلحات سياسية لا تمت الى العمل السياسي الفكري والدستوري والقانوني بصلة .
كان بإمكان تلك الاحزاب ان تطالب بإسقاط الحكومة وحتى الرئيس دون ان تسمح بالمساس بمفهوم النظام السياسي الذي تعمل وفقاً له وهي جزء منه ،لكنها اندفعت وبفعل ثقافة الحقد والكراهية التي كانت قد بثتها لسنوات في اوساط الناس لتطالب بإسقاط النظام وبدون أي مشروع بديل يحافظ على مفهوم الدولة ونظامها وأسسها ،حتى ان تلك الاحزاب وعلى رأسها الاخوان المسلمون في اليمن (حزب الاصلاح) ومن خلفها الاشتراكيون والناصريون وجماعة الحوثي عمدت الى تكريس مفهوم خاطىء يختصر الدولة والنظام والسلطة والرئيس والحكومة ومؤسسات الدولة كالجيش والأمن وغيرها في شخص الرئيس علي عبدالله صالح الذي كان يحكم البلد وفقاً لشرعية شعبية مستمدة من انتخابات حرة ونزيهة وتنافسية شهدها اليمن في العام 2006م ونافست فيها تلك الاحزاب بمرشحها المرحوم فيصل بن شملان ،ووفقاً لذلك فقد عملت بكل جهدها للمطالبة بإسقاط النظام الذي زعمت انه بكل ما يعنيه وفقاً للدستور والقوانين والمفاهيم السياسية هو شخص الرئيس الاسبق علي عبدالله صالح ،وكانت توهم الرأي العام ان سقوط النظام يعني سقوط صالح ورحيله فقط وبالتالي انتهاء مشكلة اليمن ،لكنها كانت آنذاك تعمل وبدون وعي على اسقاط النظام والدولة ومؤسساتها وتهيئ الساحة لفراغ سياسي يملأه القادمون من خارج سياق العملية الديمقراطية والانتخابات وفي مقدمتهم الميليشيات المسلحة ،وعناصر التنظيمات الارهابية كالقاعدة وداعش لاحقاً.لو عدنا بالذاكرة قليلاً الى الوراء وتحديداً الى عام 2006م حيث شهدت اليمن انتخابات رئاسية تنافسية شهد لها العالم ومثلت بداية حقيقية لتحول تاريخي وسياسي كان سيكون له تداعيات ايجابية كثيرة لو تمسكت القوى والأحزاب السياسية اليمنية بتحويله الى نموذج يتكرر وفقاً للدستور والقوانين النافذة والتي تكفل التبادل السلمي للسلطة ،ففي انتخابات 2006م الرئاسية ولأول مرة في اليمن وجدنا بعض ابناء سنحان التي ينتمي اليها علي عبدالله صالح يصوتون لمنافسه المهندس فيصل بن شملان، وفي المقابل كان هناك من ابناء مسقط رأس بن شملان في حضرموت من صوتوا لعلي عبدالله صالح في مشهد تجاوز المناطقية والعصبية وجسد البداية لترسخ الفكر والممارسة الديمقراطية الحقة ،ولكن تلك الحقائق والمفاهيم لم تصمد كثيراً لدى قيادات احزاب ما كان يعرف باللقاء المشترك الذين سارعوا ومنذ اليوم الاول لتنصيب الرئيس الاسبق علي عبدالله صالح رئيساً للجمهورية لفترة تمتد حتى العام 2013م الى افشاله ووضع كل العراقيل امام تنفيذ برنامجه الانتخابي وبدأت البلد تشهد حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني بفعل تعمد تلك الاحزاب الى اثارة وبث ودعم ثقافات قائمة على مفاهيم الكراهية والحقد والمناطقية والنزعات الانفصالية في محاولة منها لتصفية حسابها مع المؤتمر الشعبي العام والرئيس صالح ولو كان ذلك على حساب هدم اسس وأركان الدولة برمتها .
وشاهدنا احزاب المشترك تدفع بكل قوتها لإثارة الصراعات والحروب كحروب صعدة التي كان لبعض قياداتها العسكرية والسياسية والقبلية اليد الطولى في اشعالها وتكرارها، وصولاً الى دعم الدعوات الانفصالية التي ظهرت تحت مسمى الحراك الجنوبي ،وليس انتهاءً بإثارة النعرات المناطقية وبث ادعاءات كوصف الجيش والأمن بالحرس العائلي والأمن العائلي ...الخ من تلك المفاهيم التي مثلت البداية لتنفيذ مشروع الفوضى في البلد.
وتعمد المشترك القفز على كل ما تحقق من تطور سياسي ديمقراطي منذ العام 90م وبدلاً من ان تنادي تلك الاحزاب بضرورة الاحتكام الى الديمقراطية وصناديق الاقتراع وجدناها تتعمد عرقلة اجراء اول انتخابات محلية للمحافظين تشهدها اليمن والمنطقة في العام 2008م حين اصرت على مقاطعة تلك الانتخابات في محاولة لإفشالها ،ولم يقف الامر عند ذلك بل عمدت تلك الاحزاب الى عرقلة اجراء الانتخابات البرلمانية الرابعة التي كان مقرراً لها ان تجري في العام 2009م حين اصرت على تغيير النظام الانتخابي وأفشلت كل الحوارات التي اجراها معها المؤتمر الشعبي العام بخصوص ذلك ليصل البلد الى مرحلة يتعذر فيها اجراء الانتخابات البرلمانية وفقاً للنظام الانتخابي النافذ وفقاً للدستور والقانون ،لتقبل بموضوع التمديد لعامين لمجلس النواب القائم في مشهد مثل اول ضربة للتجربة الديمقراطية الناشئة التي يمثل اجراء الانتخابات فيها في مواعيدها الابجدية الاولى لتطورها وترسيخ مفاهيم في اوساط الشعب .
وليس بخافٍ على احد ان قيادات اللقاء المشترك وناشطيها السياسيين والإعلاميين ظلوا ومنذ العام 2006م ينسجون علاقات متينة مع مختلف سفارات العالم وعلى رأسها سفارات الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي ويقدمون تقارير علنية وسرية عن اليمن وكانت في معظمها تعتمد على تقديم معلومات خاطئة ومضللة تركزت على ضرورة التخلص من الرئيس الاسبق صالح بأي ثمن وتقديم انفسهم كبديل لتولي الحكم في اليمن وهذا ما كشفت عنه الكثير من المعلومات التي نشرها موقع ويكيليكس حيث تضمنت تلك الوثائق التي نشرتها صحيفة الاخبار اللبنانية في ابريل من العام 2011م أن القيادي في حزب الإصلاح (الاخوان المسلمين في اليمن)، حميد الأحمر، تعمّد منذ عام 2009م التواصل مع السفارة الأميركية وإعلامها بخططه لإطاحة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، وفقاً لما أظهرته وثائق ويكيليكس الصادرة عن السفارة الأميركية في صنعاء.
وأظهرت الوثائق ان الأحمر في حديثه إلى الدبلوماسيين الأميركيين كان واضحاً في تحديد أولويات خطته لإطاحة صالح، محدداً خطين للسير فيهما؛ استقطاب اللواء علي محسن الأحمر، والتواصل مع الحوثيين والحراك الجنوبي للدفع بهما لتنسيق احتجاجاتهما ضد الرئيس اليمني، بهدف إضعافه تمهيداً لإطاحته، مؤكداً في الوقت نفسه أن الدور السعودي سيكون محورياً في أي خطة للإطاحة بالرئيس اليمني.وكشفت وثيقة صادرة عن السفارة الأميركية «SANAA1617-09» عن لقاء جمع الأحمر بالسفير الأميركي في صنعاء في حينه، ستيفن سيش، في 31 أغسطس 2009، أبلغ خلاله الأحمر الدبلوماسي الأميركي، أنه سيعمل جاهداً خلال الأشهر المقبلة لإقناع اللواء علي محسن الأحمر والسعودية بدعم المعارضة..
وجاءت احداث الفوضى عام 2011م لتؤكد ما تضمنته تلك الوثائق حيث سارعت قيادات الاخوان الى النزول الى الساحة والمطالبة ليس برحيل الرئيس الشرعي علي عبدالله صالح من السلطة فحسب بل وبإسقاط النظام ككل واستبداله بنظام يكون لهم فيه اليد الطولى في الحكم ،مستغلين التظاهرات التي كان ينظمها الحراك الجنوبي ،واندفاع جماعة الحوثي ايضاً، فضلاً عن استغلال اصوات الشباب المستقلين الذين خرجوا ليطالبوا في البداية بمطالب حقوقية كان على رأسها الحصول على وظائف .
ويمكن التأكيد ان قيادات الاخوان ومن خلفها قيادات المشترك كانوا يدركون جيداً ان اسقاط الرئيس صالح من السلطة عبر التظاهرات يعد امراً مستحيلاً، ليس فقط لامتلاك صالح الشرعية الدستورية كونه رئيساً منتخباً ،ووقوف الجيش والأمن خلفه باعتباره القائد الاعلى للقوات المسلحة، بل لإدراكهم مدى ما يتمتع به صالح من شعبية في اوساط الناس وحبهم له ولحنكته ودهائه في ادارة خلافاته السياسية مع الخصوم بعيداً عن القوة ،ولذلك سعت تلك القيادات لإدخال البلاد في فوضى عارمة هدفها في الظاهر ارغام صالح على التخلي عن السلطة، وفي الباطن الانقلاب على الشرعية الدستورية والعملية الديمقراطية والوصول الى الحكم بأي ثمن كان ولو كان ذلك الثمن هو اغراق البلاد في فوضى عارمة وتدمير الدولة برمتها، ظناً منهم انهم بذلك سيستطيعون اقامة دولة جديدة قائمة على مفهوم الدولة الاخوانية المرتكزة على مفهوم (التمكين) كمفهوم ديني تعج به ادبيات ومناهج الفكر الاخواني .
وتؤكد وثيقة ويكيليكس- المشار اليها اعلاه - ذلك، فحميد الاحمر في حديثه مع الدبلوماسيين الامريكيين اكد ان إبعاد صالح عن السلطة في سيناريو لا ينطوي على إدخال البلاد في فوضى عارمة سيكون مستحيلاً من دون دعم من القيادة السعودية، وعناصر من الجيش اليمني، وبخاصة اللواء علي محسن، لافتاً إلى أن السعوديين سيتخذون «مخاطرة محسوبة إذا كان يمكن إقناعهم بأنه يمكننا جعل صالح يغادر الساحة بسلام»..وانطلاقاً مما سبق فقد بدا واضحاً ان قيادات المشترك وفي المقدمة الاخوان المسلمون عمدوا الى عقد صفقات سياسية مع الادارة الامريكية لمساعدتهم في الاطاحة بحكومات وسلطات عديد دول في المنطقة خاصة الدول التي كان لحكامها مواقف مناهضة او مواجهة لسياسات الولايات المتحدة او الرافضة لتدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول المنطقة .
وقبيل ايام من الاطاحة بحكم الرئيس التونسي الاسبق زين العابدين بن علي في منتصف يناير 2011م وعلى وقع المظاهرات التي كانت تشهدها مصر زارت وزيرة الخارجية الامريكية الاسبق هيلاري كلينتون العاصمة اليمنية صنعاء في زيارة خاطفة في 11 يناير 2011م حيث التقت حينها بالرئيس الاسبق علي عبدالله صالح في لقاء رسمي قبل ان تعقد لقاءات مع قيادات المشترك في مقر السفارة الامريكية .
وعقب ذلك اللقاء المشبوه لكلينتون بقيادات المشترك نقلت وسائل الاعلام ومنها جريدة الزمان اللندنية عن الامين العام لحزب الاصلاح (الاخوان المسلمين في اليمن) عبدالوهاب الآنسي قوله :إن المعارضة اليمنية سترسل ردها على طلب وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون خلال اجتماعها بممثلين عنها حول تولي رئيس جديد لليمن بعد فترة انتقالية عبر السفير الامريكي في صنعاء.
وقال الآنسي بحسب صحيفة " الزمان" اللندنية: ان كلينتون طرحت هذا الموضوع خلال اللقاء الذي تم مع المعارضة خلال زيارتها إلي صنعاء.. وقال الآنسي: ان هذا الموضوع لم يجر بحثه بشكل مفصل.. وقال: سنرد على ذلك عبر السفير الأميركي في صنعاء. ورغم محاولة الآنسي آنذاك نفي الخبر الا انه اكد صحة ما نسب له في نفيه بقوله: ان وزيرة الخارجية الأمريكية تحدثت في سياق حديثها عن فترة انتقالية دون أن تفصل في ذلك وأن هذا الموضوع سيتم التعرف على تفصيلاته من قبل المعارضة عن طريق السفارة الأمريكية.
وتزامنت زيارة كلينتون الخاطفة الى اليمن مع بداية مشهد غير مسبوق من الدعم السياسي والاعلامي الذي تبنته واشنطن ودول الاتحاد الاوروبي لصعود نجم الاخوان المسلمين في المنطقة ابتداءً من تونس مروراً بمصر وصولاً الى ليبيا واليمن وسوريا ،حيث عبرت تصريحات الادارة الامريكية التي كان يقودها اوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون عن دعمهم لحالة الفوضى التي اجتاحت دول المنطقة (تونس مصر اليمن ليبيا سوريا) بدعوى دعم ما اطلق عليه الاعلام الغربي وردده الاعلام العربي بقصد او بدون مسمى (الربيع العربي)، والذي لم يكن اكثر من مصطلح لتجميل وتنميق مصطلح «الفوضى الخلاقة» بالإنجليزية: «Creative Chaos» وهو مصطلح رغم وجوده كما تشير الدراسات في أدبيات الماسونية القديمة حيث ورد ذكره في أكثر من مرجع وأشار إليه الباحث والكاتب الأمريكي دان براون الا انه لم يظهر على السطح الا بعد تبنيه من قبل ادارة الرئيس الامريكي الاسبق جورج دبليو بوش بعد غزوها للعراق في العام 2003م وتدمير جيشه ومؤسسات دولته ،حيث ظهر هذا المصطلح في تصريح وزيرة خارجيته كونداليزا رايس في حديث لها أدلت به إلى صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في شهر أبريل 2005م، اعلنت فيه نية الولايات المتحدة بنشر الديمقراطية في العالم العربي والبدء بتشكيل مايُعرف بـ"الشرق الأوسط الجديد"، كل ذلك عبر نشر "الفوضى الخلاقة" في الشرق الأوسط عبر الإدارة الأميركية.
يتبع ..
تمت طباعة الخبر في: الأحد, 24-يونيو-2018 الساعة: 08:23 م
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: http://www.saadahpress.net/news/news-32366.htm