صعدة برس - مشكلة العرب ليست مع إيران، بل في ضعف العرب الذين ابتُلوا بوصاية أمريكا وبريطانيا و"إسرائيل"، بذريعة المصالح المشتركة وكماشة الاتفاقيات الاقتصادية والتحالفات العسكرية، ولو أن إيران توقفت عن دعم قضية فلسطين، وطَبَّعت مع "إسرائيل"، لعادت كما كانت شرطيَّ المنطقة، وبضوءٍ أمريكيٍّ أخضر سيُحوِّل العرب وجهتهم إلى طهران.
من مصلحة العرب، الأحرار والمطبِّعين، أن تكون إيران دولة قوية بقوة ردع عسكري تحقق التوازن للقوى ضد كيان "إسرائيل" المدعوم بالقواعد العسكرية الأمريكية والغربية المفروضة بالمنطقة لقمع الأنظمة والشعوب المناهضة مثل إيران؛ لذا تحاول أمريكا إسقاط نظامها بنظام عميل ومطبِّع، للسيطرة الجيوسياسية والعسكرية ونهب ثرواتها النفطية، وتنفيذ مشروع إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد، "سايكس بيكو 2".
منذ عقود، نجح اللوبي الصهيوني في إقناع عرب أمريكا المطبِّعين بمعاداة إيران الإسلامية التي تشاركهم روابط الدين والجوار الجغرافي والتاريخ والأمن القومي والثقافة، وبدلًا من معاداة الكيان الصهيوني الذي يُعد العدو الحقيقي للأمة، طَبَّعوا العلاقات مع "إسرائيل" بمعاهدات سلام زائفة، وعلى الرغم من معرفة العرب بخطر وجودها في قلب المنطقة، لا يزالون يرونها حمامة سلام.
ومع تصاعد التهديدات والتحركات العسكرية الأمريكية لضرب إيران، يتحتم على الدول العربية، الوقوف بموقف أخلاقي وقومي في صف إيران؛ لإن العدوان عليها اعتداء على دول المنطقة وأمنها القومي، خصوصاً وأن المواجهة ستكون دينية بامتياز، وقد أعلنها سيناتور أمريكا ليندسي غراهام بقوله: "إنها حرب دينية ستحدد مصير الشرق الأوسط لألف عام، ولن تستهدف إيران أو المقاومة، بل المنطقة: فإما الخضوع لأمريكا، وإما الحرب والدمار".
وسواء اتفقت أو اختلفت مع إيران، أيها العربي الضعيف في الصراع، فما عليك إلا أن تتقبل حقيقة أن وجود إيران قوية في المنطقة يشكِّل خط دفاع مباشر وغير مباشر بالنيابة عن دولك المرتهنة للغرب، في كبح خطط أمريكا و"إسرائيل" اللتين تستميتان في محاولات إسقاط نظام إيران، تمهيدًا لهندسة تفتيت المنطقة إلى دويلات وفق ما يسمى إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط الجديد.
للتذكير، كانت إيران في عهد نظام الشاه محمد رضا بهلوي، الذي لقَّب نفسه "ملك الملوك"، وحكم الإمبراطورية الإيرانية 38 عامًا بعد حكم والده رضا شاه، تحت وصاية أمريكا، محبوبة الغرب والعرب، بل وشرطيَّ المنطقة، خاصة على دول الخليج.
لكن، بعد نجاح الثورة الشعبية والإسلامية في 11 فبراير 1979، بقيادة روح الله الخميني، وطرد السفير "الإسرائيلي" من طهران وتسليم السفارة الإسرائيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورفع العلم الفلسطيني في سماء إيران لأول مرة، أعلنت واشنطن الحرب عليها واعتبرتها مجوسية ورافضة، ومنذ تلك الحقبة غيَّر العرب موقفهم تجاهها طاعةً لأمر سيدهم في البيت الأبيض.
سيكتب التاريخ أن إيران تعرضت منذ 45 عامًا، ولا تزال، لمؤامرات وثورات ملوَّنة وعقوبات سياسية واقتصادية وسيبرانية وعسكرية من أنظمة أمريكا وبريطانيا، بذنب وقوفها مع مظلومية فلسطين، لكنها صمدت وأفشلت كل المؤامرات؛ لأن بنية نظامها صُمِّمت بمنظومة أمنية وسياسية قوية ضد الأزمات والإخضاع للخارج، وفقًا لمجلة "فورين بوليسي" الأمريكية.
وكان آخر تلك المؤامرات الملونة والمبعثرة على إيران التي تنسجها وكالات استخبارات وماكنات إعلامية الغرب، في يناير الجاري، عبر توظيف خدمة "ستارلينك" التجسسية للإنترنت الفضائي التي أستخدمت كوسيلة للتواصل التخريبي بين قوى العدوان الخارجي والخلايا التجسسية وعصابات المخرِّبين داخل البلاد.
خلاصة الكلام: أن إيران تدفع كل يوم ثمن مواقفها الثابتة والداعمة لقضية فلسطين وشعبها ومقاومته، ضد وجود مشاريع الكيان الصهيوني الخبيث في المنطقة، بينما الأنظمة العربية تقف ضد النظام والدولة الإيرانية التي تناصر القضايا العربية، وفي الوقت نفسه يهرول العرب لركوب قطار التطبيع مع الكيان الذي يغتصب أرض فلسطين منذ 78 عاماً، بإشراف مأذونة الزواج الإبراهيمي؛ أمريكا بين العرب و"إسرائيل".
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات |