صعدة برس - وكالات - في مدينةٍ اعتادت أن تُحصي خسائرها كل صباح، لم تكن الجامعات استثناءً من المشهد؛ مبانٍ تحولت إلى ركام، مختبرات سُويت بالأرض، وأجهزة طبية وهندسية دفنت تحت الغبار. لكن بين كل ذلك، ما زال هناك طلاب يفتحون كتبهم على ضوءٍ خافت، ويكتبون مستقبلهم على أوراقٍ عادية بعدما سُلبت منهم المختبرات.
في قطاع غزة، حيث تشير التقديرات إلى تدمير أكثر من 80% من مؤسسات التعليم العالي، يواجه آلاف الطلبة واقعاً تعليمياً قاسياً لا يقل مرارة عن النزوح أو العيش في الخيام، فالتخصصات العلمية والطبية والهندسية التي تعتمد على التدريب العملي أصبحت تُدرّس نظرياً فقط، ما يهدد بتخريج أجيال تحمل الشهادات دون أن تمتلك المهارات التي تتطلبها المهنة.
طالب التمريض في الجامعة الإسلامية بغزة، براء الديراوي، يقف أمام مستقبل مهني ضبابي بعد أن دُمّرت جامعته بالكامل. يقول لوكالة "شهاب" الفلسطينية، إن تخصصه يعتمد بشكل أساسي على التدريب على الأجهزة الطبية والتعامل المباشر مع الحالات، لكن المختبرات اختفت، والأجهزة لم تعد موجودة.
“نقرأ ونحفظ، لكن ما بنقدر نطبّق”، يقول براء بقلق واضح، متسائلاً كيف يمكن أن يصبح ممرضاً جاهزاً لسوق العمل دون أن يلمس الأجهزة أو يتدرب عليها؟. الخوف، كما يصفه، ليس من التخرج.. بل من التخرج بلا خبرة.
أما محمد عصام، الطالب في هندسة الحاسوب، فيعيش معضلة مختلفة لكنها لا تقل قسوة. بعد توقف دام عامين بسبب الحرب الصهيونية على غزة، يقول: "اقتصرت الدراسة على التعليم الإلكتروني والنظري، بعدما دُمرت المختبرات والأجهزة التقنية".
محمد، الذي يقترب من التخرج، يشعر أن شهادته تسبقه بخطوات بينما مهاراته العملية ما تزال تبحث عن فرصة للنمو. لذلك يحاول الالتحاق بدورات تدريبية خارجية ليعوض ما فاته، مدركاً أن سوق العمل لا يكتفي بالنظريات.
وفي زاوية أخرى من المشهد، يجلس بدر ضهير، طالب تطوير البرمجيات، ممسكاً بدفترٍ ورقي يخط عليه خوارزميات كاملة. المختبر الذي كان يحلم أن يكتب فيه أول سطر برمجي صار ركاماً، والكهرباء التي يحتاجها لتشغيل حاسوبه تُحسب بالدقائق. يشحن جهازه من نقاط تجارية، ويعمل على بطارية بالكاد تكفي لإكمال فكرة.
يقول بدر إن الطريق أطول عليهم مقارنة بطلاب العالم الذين يدرسون في مختبرات حديثة وكهرباء مستقرة، لكن شغفه لم ينطفئ. “البرمجة علمتني أن كل مشكلة إلها حل”، يقول بثبات، مضيفاً أن "الإصرار أصبح أهم من الإمكانيات".
من جهته، يؤكد الأكاديمي الدكتور عبدالسلام سلمان، إن ما يحدث يمثل “كارثة أكاديمية حقيقية”، موضحاً أن التخصصات العملية لا يمكن أن تُبنى على المعرفة النظرية وحدها. فغياب التدريب العملي يخلق فجوة خطيرة بين التعليم وسوق العمل، ويضعف جاهزية الخريجين في تخصصات حيوية كالهندسة والطب والتكنولوجيا.
ورغم وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، ما تزال القيود الصهيونية المفروضة على دخول المعدات والمواد الأساسية تعيق إعادة تأهيل الجامعات وتجهيز المختبرات، لتبقى العملية التعليمية محاصرة بواقع مادي قاسٍ.
ومع ذلك، لا تبدو الحكاية مجرد قصة عن دمار.. بل عن إصرار. فبين دفاتر الورق وأجهزة تُشحن بالدقائق، وبين كتب تُقرأ بلا مختبرات، يقاوم طلبة غزة فكرة الاستسلام. المباني قد تُهدم، لكن فكرة التعلّم لم تُهدم بعد.
في غزة، لم يعد السؤال: هل سيتخرج الطلاب؟ بل: كيف يصنعون مستقبلاً من تحت الركام؟. |