- الردع الإيراني وحدود القوة الأميركية.. لماذا عادت واشنطن إلى طاولة التفاوض؟..

السبت, 14-مارس-2026
صعدة برس - متابعات -
لم يكن قرار الولايات المتحدة إعادة فتح قناة التفاوض مع الجمهورية الإسلامية في إيران، والقبول بأن تكون سلطنة عُمان هي الإطار الوحيد لهذه المحادثات، نتاج تحوّل دبلوماسي مفاجئ أو مراجعة أخلاقية للسياسات الأميركية، بل جاء نتيجة توازن ردع واقعي فرضته طهران عبر مراكمة أوراق قوة عسكرية، إقليمية، وسياسية، دفعت واشنطن إلى وضع خيار الحرب جانباً – ولو مؤقتاً – والعودة إلى طاولة التفاوض بشروط مختلفة عن تلك التي سادت في مراحل سابقة. هذه العودة نصح فيها المستشارون في البيت الأبيض ترامب، لا سيما وان خيار إسقاط النظام في إيران بالضربات الجوية غير ممكن.

تدّرجت إيران من موقع الدفاع الاستراتيجي إلى موقع فرض المعادلات، ومن ثم انتقلت الى الاستراتيجية الهجومية، فبعد سلسلة من الضغوط القصوى، والعقوبات الخانقة، والتهديدات العسكرية المباشرة وغير المباشرة، نجحت طهران في بناء منظومة ردع متعددة المستويات، جعلت أي خيار عسكري أميركي مكلفاً، محفوفاً بالمخاطر، وغير مضمون النتائج. ولم يعد الضجيج الأميركي عن الحرب يدور حول القدرة على شنّها، بل حول عواقبها وكلفتها وإمكانية اتساعها الى حرب إقليمية.

ما الذي غيّر الحسابات في واشنطن؟
تمتلك إيران اليوم مجموعة من أوراق القوة التي أعادت رسم ميزان الردع مع الولايات المتحدة، أهمها:

1-الحرب الشاملة: اتساع رقعة المواجهة إقليمياً بعد إعلان الإمام السيد علي الخامنئي بوضوح موقفاً غير مسبوق: الحرب ستكون إقليمية. وقد أثبتت إيران أنها قادرة على رفع مستوى الردع وكسر الخطوط الحمر المؤدية إلى الحرب الشاملة، وهو ما أربك الاستراتيجية الأميركية التي تقوم تقليدياً على التصعيد ثم الاحتواء.

2-القدرة العسكرية غير المتماثلة: طهران طوّرت منظومة صاروخية بالستية دقيقة، وطائرات مسيّرات، وشبكات حرب إلكترونية، تجعل أي ضربة ضدها محفوفة بردود متعددة الاتجاهات، يصعب احتواؤها أو ضبط سقفها. وأعلنت قيادتها العسكرية انه ستخوض حربًا غير متماثلة، لا تشبه الحروب الكلاسيكية.

3-العمق الإقليمي والتحالفات: لم تعد إيران دولة معزولة، بل لاعباً مركزياً ضمن شبكة إقليمية متماسكة، لديها حلفاء من لبنان إلى العراق واليمن يتعرضون للتهديد من نفس العدو المشترك. هذا العمق يحوّل أي مواجهة مع طهران إلى مواجهة مع منظومة إقليمية كاملة.

4-تهديد القواعد الأميركية: تمتلك إيران منظومة صاروخية متقدمة ودقيقة، تُعدّ اليوم من الأوسع والأكثر تنوّعًا في المنطقة، وقادرة على استهداف القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في كامل جغرافيا غرب آسيا. وقد أكّد مسؤولون إيرانيون مرارًا، من بينهم قادة في الحرس الثوري ووزارة الدفاع، أن جميع القواعد الأميركية، التي تضم نحو 60 ألف جندي، تقع ضمن مدى النيران الإيرانية، وأن طهران لا تتردّد في استخدامها عند الضرورة، كما ثبت عمليًا في محطات سابقة. هذا الواقع حوّل الوجود العسكري الأميركي من عنصر ضغط إلى نقطة ضعف ردعية مكشوفة.

5-تعطيل الملاحة والطاقة: تمتلك إيران قدرة فعلية على تعطيل شرايين الملاحة والطاقة العالمية، وفي مقدّمها مضيق هرمز الذي يمرّ عبره نحو ثلث تجارة النفط المنقول بحرًا، إضافة إلى نفوذها غير المباشر في باب المندب، ما يجعل أمن الطاقة العالمي رهينة أي تصعيد. وقد أكّد مسؤولون إيرانيون، سياسيون وعسكريون،أن الأمن للجميع او لا لأحد، وأن أمن الممرات البحرية لا يمكن فصله عن أمن إيران، وأن أي استهداف لمصالحها سيقابله تهديد مباشر لحركة الملاحة.

6-الصبر الاستراتيجي المقترن بالجاهزية: الجمع بين الاستعداد العسكري والمرونة السياسية والدبلوماسية مكّن طهران من امتصاص الضغوط، ثم تحويلها إلى أوراق تفاوضية.
7-غياب الغطاء الأقليمي: خيار الحرب لم يكن مقبولاً لدى الحلفاء الإقليميين الذين أدركوا أن الحرب ستعيد المنطقة ودولها عشرات السنين الى الوراء وفق ما حذّر منه رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء عبد الرحيم موسوي.

8- خيار الحرب غير مضمون: يضاف إلى ذلك أن خيار الحرب لم يكن مضمون النتائج عسكريًا، وفق تقديرات ومستشارين عسكريين أميركيين حذّروا من كلفته العالية وعدم القدرة على التحكم بمساراته وتداعياته. كما أن هذا الخيار لم يحظَ بقبول داخل الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس ترامب، حيث ساد تقدير بأن المواجهة لن تحقق أهدافها السياسية ولن تنتهي بسرعة أو بأكلاف محدودة. وإلى جانب ذلك، أظهرت المؤشرات أن الرأي العام الأميركي، بغالبيته، لا يؤيد الانخراط في حرب جديدة في غرب آسيا، ما قيّد هامش القرار السياسي وفرض التراجع نحو خيارات أقل مخاطرة.

9-تغيير العقيدة العسكرية: منذ سنوات، التزمت القوات المسلحة الإيرانية بسياسة ضبط النفس واعتمدت مقاربة دفاعية محسوبة، انطلاقًا من تقديرٍ استراتيجي يوازن بين تجنّب الانزلاق إلى مواجهة شاملة والحفاظ على عناصر الردع الأساسية. غير أنّ تراكم المخاطر الوجودية التي باتت تهدد الجمهورية الإسلامية، فتح نقاشًا معمّقًا داخل دوائر القرار السياسية والعسكرية، استمر لأشهر، وتكثّف بشكل خاص عقب عدوان الأيام الاثني عشر في حزيران الماضي. ومع نضوج هذا النقاش، تبلور تحوّل استراتيجي جوهري تمثّل في الانتقال من الاكتفاء بالحالة الدفاعية إلى تبنّي مقاربة هجومية محسوبة، هدفها إعادة ترسيم قواعد الاشتباك وفرض معادلات ردع أكثر صلابة. هذا التحوّل لم يمرّ دون أن يترك أثره على الحسابات الأميركية، إذ دفع واشنطن إلى مراجعة خياراتها، والتريّث في الذهاب نحو التصعيد، وإعادة فتح المسار التفاوضي.
وهكذا، دخلت إيران إلى طاولة المفاوضات من موقع قوة، فارضةً لاءاتها الأربع:

1-لا مفاوضات في تركيا، بل في سلطنة عُمان: إصرار إيران على عُمان ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل رسالة سياسية: التفاوض يجب أن يجري في بيئة هادئة، محايدة، بعيدة عن الضغوط الإعلامية والاستخبارية، وضمن قناة أثبتت تاريخياً قدرتها على إدارة الوساطات الحساسة. وهي شريك موثوق لإيران، أما تركيا فلديها أجندتها الخاصة ولا تأمن طهران جنبها.

2-لا مفاوضات حول البرنامج الصاروخي: تعتبر طهران أن قدراتها الصاروخية هي حجر الأساس في منظومة الردع، وأن أي نقاش حولها يعني عملياً نزع عنصر الحماية الأساسي في مواجهة التفوق الجوي الأميركي والإسرائيلي. وهو محل إجماع داخلي ما يعتبره الإيرانيون مسًا بالسيادة الوطنية.

3-لا مفاوضات حول الدور الإقليمي والعلاقات مع الحلفاء: رفضت إيران بشكل قاطع إدخال دعمها لحركات المقاومة أو علاقاتها الإقليمية في أي مسار تفاوضي، معتبرة أن هذا الملف سيادي، دفاعي، وغير قابل للمقايضة.

4-لا لتصفير تخصيب اليورانيوم: حتى في الملف النووي – وهو الملف الوحيد المطروح على الطاولة التي قبلت بمناقشته طهران – وضعت إيران خطاً أحمراً واضحاً: لا عودة إلى نقطة الصفر، ولا قبول بتفكيك برنامج التخصيب، بل نقاش حول آليات، مستويات، وضمانات، ضمن اعتراف بحق إيران في امتلاك دورة وقود نووي كاملة. ورفع العقوبات المفروضة عليها.

لماذا قبلت واشنطن بهذا الإطار؟

قبول الولايات المتحدة بهذا السقف التفاوضي لا يعني اقتناعها به، بل عجزها عن كسره في المرحلة الحالية. فواشنطن تدرك أن الضغط وحده لم يعد كافياً، وأن الاستمرار في سياسة حافة الهاوية قد يؤدي إلى انفجار كبير غير محسوب، في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية.

كما أن انشغال الولايات المتحدة بملفات كبرى – من أوكرانيا إلى الصين، ومن فضائح جيفري ابستين، والانقسام الداخلي إلى الاقتصاد – يجعل فتح جبهة جديدة في غرب آسيا خياراً غير عقلاني. وثمة رأي آخر لا يغفله الإيرانيون هو ان واشنطن تراوغ وتناور لاستكمال التحضيرات العسكرية والقيام بمباغتة إيران ما أشار اليه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حيث قال: "استخدموا كافة الوسائل وفشلوا، فاضطروا للعودة إلى طاولة المفاوضات، نحن لا نثق بهم؛ و يمكن ان يكون هناك خداع، و نحن نضع بالحسبان احتمال الخديعة، لهذا لا ينبغي لأحد أن نُخدع؛ وعلى كل الجهات القيام بواجبها، القوات المسلحة، والحكومة بغض النظر عن وجود مفاوضات او عدمها، فيمكن لهذه المفاوضات ان تنجح أو تفشل" مضيفًا، "اليوم، نحن حاضرون في ميادين الدبلوماسية بقوة قواتنا المسلحة.. قواتنا المسلحة قد ردعت أعداءنا عن أي خيار عسكري، وستواصل القيام بذلك في المستقبل".

وبينما يبقى مسار التفاوض مفتوحاً على احتمالات متعددة، فإن الثابت الوحيد هو أن الردع الإيراني نجح – حتى الآن – في إبعاد شبح الحرب، وفرض منطق التفاوض وفق قواعد جديدة، تعكس تحوّلاً حقيقياً في ميزان القوة، لا مجرد مناورة تكتيكية عابرة. فهل ستنجح جولة المفاوضات المقبلة في غُمان؟ وماذا سيتمخض عن زيارة نتنياهو الى واشنطن للقاء ترامب الذي يرافقه قائد سلاح الجو الإسرائيلي تومر بار؟ وماذا حمل أمين مجلس الأمن القومي علي لاريجاني في جعبته أثناء زيارته الى سلطنة عمان؟ الأيام القادمة قد تكون حاسمة وكفيلة بتقديم أجوبة أوضح عن هذه التساؤلات.
تمت طباعة الخبر في: السبت, 14-مارس-2026 الساعة: 01:05 ص
يمكنك الوصول إلى الصفحة الأصلية عبر الرابط: https://www.saadahpress.net/news/news-50845.htm